Monthly Editorial  
Economic Letter
(Economic Letter)
اشتراك مجاني

كانون الاول 2016

العقد بل العهد الإقتصادي الجديد!...

                                              

كتبت السيدة " أنّاليزا فيديلينو" رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان مقالاً عن لبنان في مجلة  Executive  عدد كانون الأول 2016 تحت عنوان " كل شيء ممكن  It is all possible " حيث " تخيَّلَت " لبنان بعد عشر سنوات، أي في عام 2026: يؤمُّه أكثر من ثلاثة ملايين سائح تشدّهم إليه بالإضافة إلى المواقع الأثرية والمطبخ اللبناني والحفاوة ما هو مميّز إقليمياً وعالمياً، أي التنوع الثقافي. وترى مسؤولة صندوق النقد - لكي تتحقّق رؤيتُها- أن لبنان حلَّ جذرياً أزمة المواصلات،  بحيث أن السير فيه ينساب إنسياباً بعيداً عن الزحمة الخانقة والقاتلة للوقت وللبيئة، وأن جبال النفايات اختفت وقد وُجدَت لها حلولٌ فعّالة فباتت بيروت قبلة مدن البحر الأبيض المتوسط! وتتصوّر المسؤولة الدولية أن لبنان استطاع أن يحقّق على الأقلّ خلال السنوات الخمس 2022 – 2026 معدّل نمو بلغ في المتوسط 5% بفضل الإنجازات على المستويَيْن السياسي والاقتصادي: فها هي الانتخابات النيابية قد انتظمت في مواعيدها الدستورية ومن خلال قوانين انتخابات عصرية. وقد توافرت لخريجي الجامعات فرص عمل مجزية في قطاعات الصحة والسياحة والتكنولوجيا وأعمال الزراعة جعلت خصوصاً الطاقات الشابّة والمتعلّمة تتوقّف عن الهجرة وتفضِّل البقاء والعمل في البلد. كما تحسَّن بشكل ملحوظ تصنيف لبنان في مؤشّرات الانفتاح ومناخ الأعمال بفضل التشريعات المؤاتية التي أقرّتها الحكومات لتحديث الإدارة العامة ونظام التقاعد ونهاية الخدمة لجميع اللبنانيّين وبفضل تطوير شبكة المواصلات والاتصالات، بما فيها إعادة تأهيل خطوط سكك الحديد وشبكة الجسور والأنفاق وشبكة الطرقات التي تربط لبنان بالداخل العربي والإقليمي، بالإضافة إلى معامل معالجة النفايات ومعامل إنتاج الكهرباء وتوزيعها. وقد تلاقى كل ذلك مع عبقرية وحيويّة القطاع الخاص ورؤيته لتقديم أفضل الخدمات للناس. وغدت شبكة الإنترنت بسعتها وسرعتها من الأفضل إقليمياً كما بات لبنان مصدراً للطاقة الكهربائية إلى دول الجوار. وبعد سنوات من التعثر والتأخير، أصبح قطاع النفط والغاز يتمتّع بإطار جيد من الأنظمة والقوانين الشفّافة. وبدأت ثمار الاستثمارات تتدفّق إلى خزينة الدولة التي تخصّصها جزئياً لتمويل مشاريع الرسملة الإضافية وجزئياً لتخفيض المديونية العامة. كلُّ ذلك خلقَ حلقةً فضلى قوامها العجوزات المنخفضة وكتلة دين ومعدّلات فوائد متدنّية، ما يعني مناخاً أفضل لنمو القطاع الخاص وأفضل لخلق فرص العمل. وسمحت الكلفة المتدنّية للنفط والغاز بوضع بنية ضرائب على المحروقات جعلت منحى نسبة الدين إلى الناتج يعود إلى الانحدار مجدداً بعدما كانت قد بلغت 150% لا سيّما تحت وطأة تدفّـق اللاجئين السوريّين. وتوازياً، ساعدت السياسات المالية المقرّرة بإجماعٍ حكومي على تقوية مناخات الثقة من قبل المستثمرين خصوصاً بعد إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص ( (PPP والتشريعات ذات الصلة. كما أن هذه الثقة المستعادة دفعت الدول وصناديق التنمية والمؤسسات المالية الدولية، أي باختصار المجتمع الدولي، إلى أن يضاعف من هباته وقروضه الميسّرة لتغطية الكلفة المترتّبة على لبنان في المدى الطويل جرّاء استقباله اللاجئين.

إن تحقيق هذه الرؤية التي تستشرف فيها مسؤولة صندوق النقد الدولي مداخل ومخارج التطورات المرغوبة والممكنة للاقتصاد السياسي في لبنان في السنوات العشر القادمة يجب أن تبدأ بنظرنا الآن وليس غداً، أي في مطلع العام 2017 ومع مطلع عهد رئاسي جديد أَمِلَ به اللبنانيّون خيراً لبلدهم ولهم ولأُسرهم. ورئيس البلاد مؤتمَن دستورياً وسياسياً ووطنياً على الدفع نحو بلورة رؤية إقتصادية ومالية واجتماعية للبنان للسنوات العشر المقبلة والسهر على تحويلها إلى خطة عمل وإلى سياسات ترسمها وتسهر على تنفيذها حكوماته المتتالية في مدى السنوات القادمة. فمسؤولة صندوق النقد تفترض ضمناً أن الخطط والسياسات والإجراءات التي ستقرّر وتنفّذ على امتداد السنوات الخمس الأولى (2017 – 2021) تشكِّل الأساس المتين وأطر العمل المؤاتية لعودة اقتصاد البلاد إلى النمو خلال السنوات الخمس الأخيرة (2022 – 2026)، ما يعني أن ما ينجزه العهد الحالي باستثناء ربما سنة واحدة سيقطف ثماره العهد اللاحق!... ويستفيد حكماً منها اللبنانيون أفراداً ومؤسّساتٍ، عاملين وكوادر. طبعاً، تبقى بلورة الخطة والبرامج ووضعهما موضع التنفيذ من مسؤولية مؤسّسات الدولة الدستورية، التنفيذية والتشريعية وحدها. ولكنَّ الاستئناس بتوجّهات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يزيد من حظوظ قبولها ومواكبتها من قبل الجهات المانحة، إن على مستوى الدول أو صناديق التنمية أو البنك الأوروبي للاستثمار وغيرها.

فورشة إعادة تأهيل البنى الاقتصادية والاجتماعية للبلد هي ورشة بطبيعتها بطيئة وصعبة ومعقّدة ، فلا يستسهلنّها أحدٌ. وتجربتنا مع  خطط وبرامج إعادة الإعمار للأعوام 1978 – 2016، أي طوال أربعة عقود  تقريباً، ليست مشجّعة بما فيه الكفاية. ولا يعود فشل هذه الخطط والبرامج إلى التمويل، وقد توفّـر كفايةً في تلك الحقبة حيث يُظهر آخر تقرير نشره مجلس الإنماء والإعمار أن عقوداً بقيمة تقارب 5200 مليون دولار ما زالت قيد التنفيذ لمشاريع تشمل البنى التحتية والخدمات الأساسية (الصحة والتعليم...النفايات). ويشير التقرير إلى أن مصادر التمويل الخارجي بلغت أكثر من 40% من إجمالي العقود المبرمة بقيمة إجمالية تخطَّت 13.2 مليار دولار. وبمعزل عن التمويل، يعود التأخير في الإنجاز، من جهة أولى، إلى طاقة الاقتصاد اللبناني ببُناه التحتية وموارده البشرية على استيعاب الكمّ المطلوب من البرامج في حيّز زمني محدود. كما يعود التأخير، من جهة ثانية، إلى محدوديّة قدرة الدولة على إدارة مشاريع إعادة الإعمار والتأهيل والتحديث، ذلك أن الاهتراء وانعدام الإصلاح وغياب المحاسبة قد أصابت آليات ونُظم العمل والإجراءات في كافة الإدارات والمؤسّسات العامة، رغم عشرات الألوف من الموظفين والمتعاقدين والمياومين الذين تمّ ضخّهم عشوائياً وبالمحاصصة على مدى ربع القرن الفائت. وعندما نتكلّم على محدودية  قدرة الدولة، فإنما نشير ليس فقط إلى النواحي المؤسسيّة والتقنية والبشرية على أهميتها القصوى، بل أيضاً وبخاصة إلى الفساد المستشري المرتكز على المحاصصة التي تستند بدورها إلى الطائفية وزواريبها الضيّقة والبغيضة والمكلفة، مناطقياً ووطنياً.ومع مشروع قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الذي تجري مناقشته في لجنة برلمانية فرعية ، ومع إنشاء وزارة دولة لشؤون الفساد، ومع عملية مراجعة حسابات المالية العامة لفترة 1996 – 2010 وربما لما قبلها وما بعدها والتي توشك وزارة المالية على إنجازها، يؤمَل أن يوضَع المسمار الأول في نعش الفساد المزمن.

أمام الطبقة السياسية الحاكمة اليوم فرصة ليس لتبييض تاريخها الحديث، أي لما بعد الطائف، بل لوضع البلاد والعباد على مسار جديد قد يُنقذ بعضاً من النظام الذي أقامته خلال ما يقرب من ثلاثة عقود. ولكنْ من الأكيد أن مثل هذا المسار يجعل لبنان مؤهَّلاً للتعامل بالحدّ الأدنى من الكفاءة مع عالم ستحكمه ثلاثية تكنولوجيا المعلومات، والعولمة الاقتصادية، والتغيّر المناخي. إن انتخاب دونالد ترامب قد يشكِّل عنصراً مساعداً لنا (!!!)، إذ سيحاول الرئيس الجديد للولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة إبطاء قطار العولمة، فنستطيع ربّما اللحاق به والصعود إليه ... ربَّ ضارةٍ نافعة، ولا تكرهوا شرّاً لعلّه خيرٌ لكم!...


تم تحديث الصفحة في 23 كانون الثاني 2017
 
 
© 2012 abl.org.lb جميع الحقوق محفوظة
Saifi, Gouraud Street - PO Box 976 Beirut, Lebanon
جمعية مصارف لبنان
بيروت، الصيفي، شارع غورو، بناية الجمعية
الرمز البريدي: بيروت 1212 2028 لبنان
ص.ب. رقم: 976 بيروت، لبنان
هاتف/فاكس: 970500/1 (1) (961)